علي بن محمد ابن سعود الخزاعي

601

تخريج الدلالات السمعية

عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت فيما روي عنها من قصّة بريرة : إن شاء أهلك أن أعدّها لهم عدّة واحدة فعلت ؛ تريد الدراهم التي هي ثمنها . فأرشدهم صلّى اللّه عليه وسلم إلى الوزن فيها ، وجعل العيار وزن أهل مكة دون ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان ، وقد تكلّم الناس في هذا الباب ، وهل كانت هذه الدراهم لم تزل في الجاهلية على هذا المعيار ، وإنما غيروا السكك منها ونقشوا فيها اسم اللّه عز وجل ، وقام الإسلام والأوقية وزنها أربعون درهما ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ، وهي مائتا درهم . وهذا بلغني عن أبي العباس ابن سريج أنه كان يقوله ويذهب إليه . انتهى . تنبيه : أقرب ما يتناول في هذا الاختلاف الواقع في الدرهم الشرعي : هل كان معلوما في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو غير معلوم القدر ، وهو أن يكون معلوم القدر غير موجود العين مثل درهم الصّنجة عندنا الآن ، فإنه معلوم القدر غير موجود العين ، وإنما توجد صنجته ومنه تتركّب الأوزان التي فوقه بالدينار والأوقية والرطل وغيرها ، ومن أبين الأدلّة على ذلك الحديث المتقدم على هذا الباب الذي خرجه النسائي في شرائه صلّى اللّه عليه وسلم رجل سراويل بثلاثة دراهم ، وفيه : فوزن لي فأرجح لي . والحديث الذي خرجه مسلم ( 1 : 470 ) والبخاري رحمهما اللّه تعالى عن جابر رضي اللّه تعالى عنه : اشترى مني النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعيرا بأوقيتين ودرهم أو درهمين ، وفيه : ووزن لي ثمن البعير فأرجح لي ، وقد تقدم في باب الوزان ؛ فلو لم يكن الدرهم معلوما في حين عقد هاتين الصفقتين المباركتين لما صحّ البيع ولما عرف الرجحان الذي أرجح لهما صلّى اللّه عليه وسلم بعد استيفائهما حقوقهما ، واللّه تعالى أعلم . وبهذا تتفق الأقوال ويندفع التعارض عنها ، فيحمل قول من قال : إن درهم مكة كان معلوما في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على أن المراد بذلك قدره ووزنه ، لا عينه ، ويحمل قول من قال : إن الدراهم كانت غير معلومة إلى أيام